أعلام وأقلامإصداراتنامراجعات كتب

الدكتور سعيد حليم سيرة ومسيرة: قراءة مقتضبة في سيرته الذاتية

قراءة: زكرياء عريف/ باحث في الفكر الإسلامي ومناهج التربية

ليست السيرة الذاتية مجرد حكي عن الذات ولا استعراض للماضي، بل هي في عمقها فعل تفكير في مسار فردي يختزن أصداء الجماعة وتاريخها. ومن هذا المنطلق، يأتي كتاب الدكتور سعيد حليم ثلاثون عاماً من التدريس بالتعليم العالي (جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس، ط1، 2025) ليضع بين أيدينا شهادة علمية وتربوية وإنسانية تمتد على أكثر من خمسة عقود، تختلط فيها ملامح السيرة الفردية بأسئلة التعليم العالي في المغرب وتحدياته المستمرة.

منذ الصفحات الأولى، يكتشف القارئ أن الكتاب ليس مجرد مذكرات جامعية تقليدية، بل هو نافذة لفهم كيف تشكلت شخصية تربوية وأكاديمية في سياق مغربي خاص، وكيف تقاطع مسارها مع تحولات السياسة التعليمية، وصراعات الهوية التربوية، وأسئلة المنهج والمعرفة.


جذور البدايات: من المسيد إلى الجامعة

يحكي الدكتور حليم عن طفولته التي صاغتها يد الأب والأم – رحمها الله – بقيم الانضباط والإتقان، وعن أثر المسيد في غرس البذور الأولى للمعرفة. وهي صورة تختزل دور التعليم التقليدي في تكوين أجيال سابقة، حيث لم يكن الكتاب القرآني مجرد مؤسسة للحفظ، بل فضاء لتربية الروح وصقل اللغة وإعداد شخصية قادرة على مواجهة شظف العيش.

وفي مكناس وتاهلة، تدرّج التلميذ المجتهد ليصير “سلطاناً للطلبة”، في تقليد طلابي عريق يمنح للمتفوقين مكانة رمزية. ومن هناك تبدأ مسيرة الانتقال إلى الجامعات الكبرى في فاس(كلية الشريعة) والرباط(دار الحديث الحسنية) والدار البيضاء(كلية الآداب بعين الشق)، حيث ستتشكل شخصيته الأكاديمية على يد أساتذة كبار مثل عائشة عبد الرحمان (بنت الشاطئ) والشاهد البوشيخي وزين العابدين بلافريج. غير أن البصمة الأبرز جاءت من المكتبات؛ فمكتبة آل سعود والمكتبة الوطنية والخزانة الحسنية كانت بمثابة مدارس موازية صاغت ذائقته العلمية، وعلّمته أن المعرفة ليست ترفاً بل جهاداً يومياً.


في رحاب الجامعة: بين التكوين والتحدي

حين انتقل إلى التدريس بالمدرسة العليا للأساتذة بفاس، حمل معه شغف القراءة وصرامة التكوين

من أبرز لحظات سيرته دفاعه – مع زميله خالد الصمدي – عن مادة التربية الإسلامية في زمنٍ كان فيه التيار اليساري يضغط لإلغائها في السلكين الإعدادي والثانوي. لم يكن هذا الدفاع مجرد معركة فكرية، بل كان جزءاً من سؤال الهوية التعليمية في المغرب: أي تربية نريد؟ وأي إنسان نرغب في تكوينه؟

إلى جانب ذلك، يخوض الدكتور حليم في تفاصيل التجربة الجامعية: ندوات، كتب، مختبرات، محاولات لتأسيس مراكز بحث ومجلات علمية. لكن الأهم في سيرته ليس كثرة الإنجازات (وهي كثيرة فعلاً، إذ تجاوز رصيده 29 مؤلفاً بين منشور وغير منشور)، بل المنهجية التي يتعامل بها مع المعرفة: الجمع بين التراث التربوي الإسلامي والنظريات التربوية الحديثة، والرهان على النقل الديداكتيكي للعلوم الشرعية حتى تصبح صالحة للتدريس المعاصر، وهذا يتجلى في تجربته في تنسيق وتأطير طلبة ماستر تدريس العلوم الشرعية، وبعد ذلك تفرغه للإشراف على أطاريح الدكتوراه.


الجامعة بين المثال والواقع

لا يتردد المؤلف في كشف بعض أعطاب الجامعة المغربية: ضعف العمل الجماعي، غياب التنسيق بين الأساتذة، ندرة البحث العلمي المحكم و المفهرس. وهنا يقدّم خمس وصايا بيداغوجية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل مشروعاً كاملاً لو أُخذ بجدية: التنسيق، التخطيط، التقويم، التكوين المستمر، والبحث العلمي.

هذه التوجيهات الخمس ليست فقط ثمرة تجربة أكاديمية، بل هي أيضاً استجابة لتحديات واقع جامعي يعاني اليوم من تضخم الأعداد وضعف الإمكانات وتشتت الرؤى. فالسيرة هنا لا تكتفي بوصف الماضي، بل تتحول إلى مرآة تُعرّي الحاضر وتدعونا للتفكير في المستقبل.


ملاحظات ضرورية

ورغم غنى الكتاب، يظل القارئ يتمنى لو توسّع المؤلف أكثر في بعض الجوانب، مثل تجربته في تأسيس مركز المعرفة ومناهج تدريس العلوم، أو إطلاقه لمجلة التدريس الجامعي وما رافقها من عراقيل في استقبال الأبحاث. كما أن إسهابه في تفاصيل الميثاق الوطني للتربية والتكوين كان يمكن أن يُفرد في كتاب مستقل، ليترك للسيرة مجالها الخاص.

ومع ذلك، فإن قيمة هذا العمل تكمن في صدقه وعمقه، وفي كونه شهادة من الداخل على معركة بناء الجامعة المغربية، بما فيها من نجاحات وإخفاقات، من أحلام مؤجلة ومن معارك مكتملة.


خاتمة: السيرة كمرآة

في النهاية، ليست سيرة الدكتور سعيد حليم مجرد رصد لمسار فردي، بل هي محاولة لفهم أسئلة كبرى:

  • كيف يمكن للجامعة أن تصالح بين الأصالة والمعاصرة، أصالة التراث التربوي الإسلامي ومعاصرة النظريات التربوية الحديثة؟
  • كيف يحافظ الأستاذ الجامعي على رسالته وسط إكراهات الواقع وعزوف الأستاذ الجامعي على الإنتاج العلمي وهو جوهر وظيفته؟
  • وكيف تتحول التجربة الفردية إلى رصيد جماعي يفتح أفقاً للأجيال القادمة؟

بهذا المعنى، فإن كتاب ثلاثون عاماً من التدريس بالتعليم العالي لا يُقرأ فقط باعتباره ذاكرة شخصية، بل باعتباره وثيقة فكرية وتربوية ترسم صورة لواقعنا التعليمي، وتطرح علينا سؤالاً مُلحّاً: هل نستطيع أن نحوّل هذا الرصيد من التجارب الفردية إلى مشروع وطني جامع لإصلاح التعليم العالي؟، ولماذا لا نرى تجارب أخرى تحكي سيرتها وسرديتها ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
error: Content is protected !!